تُستخدم ملايين الأجهزة المنزلية الذكية، مثل الكاميرات وأجهزة التوجيه، كجزء من شبكات إجرامية تُعرف بالبوت نت لشن هجمات إلكترونية واسعة النطاق دون علم أصحابها. ضعف الأمان في هذه الأجهزة يسهل اختراقها وتحويلها إلى أدوات في أيدي المهاجمين، مما يتطلب مسؤولية مشتركة بين المصنعين والمستخدمين لمواجهة هذا التهديد المتزايد.

سماء الوطن:

لم تعد الهجمات الإلكترونية الحديثة تقتصر على الحواسيب أو الخوادم المخترقة، بل توسعت لتشمل ملايين الأجهزة المنزلية الذكية المتصلة بالإنترنت. هذه الأجهزة، مثل كاميرات المراقبة وأجهزة التوجيه والتلفزيونات الذكية، قد تتحول إلى جزء من شبكات إجرامية عالمية تُعرف باسم “بوت نتس” (Botnets)، تُستخدم في شن هجمات إلكترونية واسعة النطاق دون علم أصحابها.

سلط تحقيق أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية الضوء على هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن بعض الأجهزة الذكية الرخيصة قد تصل إلى المستهلكين محملة مسبقًا ببرمجيات خفية أو بخصائص تسمح بتحويلها إلى أدوات ضمن هذه الشبكات الإجرامية. وتوضح الصحيفة أن بعض هذه الأجهزة تبدأ بتمرير حركة بيانات لأطراف خارجية فور اتصالها بالإنترنت، مما يحول اتصال المستخدم المنزلي إلى جزء من بنية تحتية تستغلها جهات خبيثة.

تُعرف البوت نت بأنها شبكة من الأجهزة المتصلة بالإنترنت التي يتم اختراقها وإدارتها عن بعد عبر خادم تحكم وسيطرة. وتضم هذه الشبكات عادة أجهزة إنترنت الأشياء (IoT) مثل الكاميرات وأجهزة التوجيه وأنظمة التخزين الشبكي، بالإضافة إلى الحواسيب والهواتف الذكية. وبحسب باحثين في الأمن السيبراني، فإن المهاجمين لا يحتاجون إلى السيطرة على أجهزة قوية، بل يعتمدون على العدد الهائل للأجهزة المصابة، حيث يمكن لمئات الآلاف أو حتى ملايين الأجهزة إرسال طلبات متزامنة إلى هدف معين، مما يمنح المهاجمين قوة حوسبية وشبكية هائلة.

تكمن المشكلة الأساسية في أن العديد من أجهزة إنترنت الأشياء لا تُصمم وفق معايير أمنية صارمة. كما أن عددًا كبيرًا منها يعمل بكلمات مرور افتراضية أو يتوقف المصنع عن إصدار تحديثات أمنية له بعد فترة قصيرة من إطلاقه. وفي هذا السياق، كشفت “بلاك لوتس لابس” التابعة لشركة “لومين تكنولوجيز” الأمريكية عن حملات استهدفت أجهزة توجيه منزلية وأجهزة إنترنت الأشياء خرجت من فترة الدعم الأمني، وتمكنت من بناء شبكات تضم عشرات الآلاف من الأجهزة المخترقة حول العالم.

يُعد “ميراي” (Mirai) أشهر مثال على استغلال الأجهزة المنزلية في الهجمات الإلكترونية. ففي عام 2016، تمكنت هذه البرمجية من إصابة مئات الآلاف من الكاميرات وأجهزة التوجيه، واستخدمتها لتنفيذ واحدة من أكبر هجمات حجب الخدمة الموزعة (DDoS) في ذلك الوقت، مما تسبب في تعطيل خدمات إنترنت كبرى. ورغم مرور سنوات على ظهورها، أدت شيفرة “ميراي” المسربة إلى ظهور عشرات النسخ المطورة التي تستغل ثغرات جديدة وتستهدف أنواعًا مختلفة من أجهزة إنترنت الأشياء، حتى لم يعد هناك نموذج واحد مهيمن لشبكات البوت نت، بل عائلات متعددة تتطور باستمرار.

تكمن خطورة هذه الشبكات في قدرتها على تحويل ملايين الأجهزة المتفرقة إلى جيش إلكتروني يعمل بصورة منسقة. فعند إصدار أمر من خادم التحكم، تبدأ جميع الأجهزة بإرسال كميات هائلة من البيانات نحو موقع أو خدمة رقمية مستهدفة، مما يؤدي إلى إغراقها بالطلبات وتعطيلها عبر هجمات حجب الخدمة الموزعة. ولا يقتصر الاستخدام على ذلك، إذ أصبحت بعض شبكات البوت نت تعمل أيضًا كـ”شبكات بروكسي سكنية”، حيث يمرر المهاجمون حركة الإنترنت عبر الأجهزة المنزلية المخترقة لإخفاء هوياتهم، أو لتنفيذ عمليات احتيال إلكتروني، أو تجاوز أنظمة الحماية التي تعتمد على الموقع الجغرافي وعنوان الإنترنت.

أصبحت شبكات البوت نت الحديثة أكثر تنظيمًا وقوة. ففي عام 2024، كشفت السلطات الأمريكية عن تفكيك شبكة “رابتور ترين” (Raptor Train)، التي وصفتها “وول ستريت جورنال” بأنها واحدة من أكبر شبكات البوت نت المرتبطة بجهات مدعومة من الصين. وضمت الشبكة خلال سنوات تشغيلها أكثر من 260 ألف جهاز من أجهزة التوجيه والكاميرات وأنظمة التخزين الشبكي المنتشرة في المنازل والمكاتب الصغيرة حول العالم. وفي المقابل، حذرت الصحيفة الأمريكية من أن تفكيك بعض الشبكات لا يعني انتهاء الخطر، إذ غالبًا ما تعاد السيطرة على الأجهزة نفسها بواسطة مجموعات إجرامية أخرى، لتدخل في شبكات جديدة أكثر قوة، قادرة على تنفيذ هجمات قياسية تهدد ليس فقط المواقع الإلكترونية، بل أجزاء من البنية التحتية للإنترنت.

يرى خبراء الأمن السيبراني أن مواجهة هذه المشكلة تتطلب مسؤولية مشتركة بين المصنعين والمستخدمين. وتشمل أبرز الإجراءات: تغيير كلمات المرور الافتراضية فورًا، تحديث البرامج الثابتة للأجهزة بانتظام، استخدام جدران حماية قوية، عزل أجهزة إنترنت الأشياء في شبكة منفصلة، ومراقبة حركة البيانات الصادرة من الأجهزة. وبحسب الخبراء، فإن الأجهزة المنزلية لم تعد مجرد أدوات للاستخدام اليومي، بل يمكن أن تتحول إلى عناصر فاعلة في هجمات إلكترونية عابرة للحدود، حيث تؤكد أبحاث شركات الأمن السيبراني أن ضعف تصميم أجهزة إنترنت الأشياء وقلة تحديثاتها جعلا منها هدفًا دائمًا للمهاجمين.



مصدر


اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة