قرار أمريكي بمنع الوصول لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لشركة أنثروبيك يثير جدلاً وقلقاً في أوروبا، ويكشف عن مدى النفوذ الأمريكي في هذا القطاع الحيوي. القرار، الذي بررته واشنطن بدواعٍ أمنية، أعاد إلى الواجهة نقاشات حول السيادة الرقمية والتنافس العالمي على الذكاء الاصطناعي، ودفع شخصيات أوروبية للمطالبة بتعزيز السيادة التكنولوجية للقارة.
سماء الوطن: أثار قرار الإدارة الأمريكية، بإجبار شركة أنثروبيك على تعليق وصول غير الأمريكيين إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، جدلاً واسعاً وقلقاً عميقاً في أوروبا. هذا الإجراء، الذي بررته واشنطن بدواعٍ تتعلق بالأمن القومي، كشف عن مدى النفوذ الأمريكي في قطاع الذكاء الاصطناعي وأثار تساؤلات حول السيادة الرقمية ومستقبل التنافس العالمي على هذه التقنيات الحيوية.
اعتبر مراقبون أوروبيون أن هذا القرار بمثابة “درس” من الولايات المتحدة للقارة في السيادة الرقمية، مؤكدين أن أي تقنية حيوية لا تملك أوروبا السيطرة عليها يمكن أن تختفي بين عشية وضحاها. وقد أعاد هذا الحادث إلى الواجهة نقاشات متصاعدة حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأمن القومي، وما إذا كان العالم قد دخل بالفعل مرحلة جديدة من التنافس على امتلاك هذه التقنيات.
وبناءً على مخاوف الأمن القومي، أمرت إدارة ترمب شركة أنثروبيك بمنع أي مواطن غير أمريكي، بما في ذلك الموظفون الأجانب، من الوصول إلى نموذجيها “فابل 5″ و”ميثوس 5”. وقد أسفر هذا الأمر عن تعليق الشركة لاستخدام النموذجين بالكامل. يُعد نموذج “ميثوس” من أكثر النماذج اللغوية الكبرى (إل إل إم) تقدماً في العالم، ويتمتع بقدرات فائقة في مجال الاختراق الإلكتروني ومهام أخرى تُصنَّف على أنها خطرة، وفقاً لما أوردته مجلة إيكونوميست البريطانية.
لم يتضح بعد الأساس القانوني الدقيق الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية لفرض هذا التعليق، إلا أن تقارير تشير إلى أن القرار جاء بموجب توجيهات تتعلق بضوابط التصدير. ويرجح تشارلي بولوك، الباحث الأول في معهد القانون والذكاء الاصطناعي، أن الحكومة استخدمت لوائح إدارة التصدير التابعة لوزارة التجارة الأمريكية، وهي اللوائح ذاتها المستخدمة لتقييد تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين.
تختلف الروايات حول الأحداث التي سبقت التدخل الأمريكي. فبينما أفادت تقارير بأن آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون (التي تمتلك حصة كبيرة في أنثروبيك)، أبلغ إدارة ترمب باكتشاف ثغرات أمنية في نموذج “فابل 5″، تؤكد أنثروبيك أن التقنيات المستخدمة لم تكشف سوى عن عدد محدود من الثغرات الطفيفة المعروفة مسبقاً، والتي يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي المنافسة رصدها أيضاً.
شكك خبراء في فعالية هذه السياسة على المدى الطويل. فترى هيلين تونر، المديرة التنفيذية المؤقتة لمركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون، أن هذه السياسة يصعب تطبيقها نظراً للعدد الكبير من الأجانب العاملين في شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية. كما تشير سينثيا كايزر، المسؤولة السابقة في قسم الجرائم الإلكترونية بمكتب التحقيقات الفيدرالي، إلى أن المخترقين يمكنهم شراء هويات أمريكية في السوق السوداء للوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي.
من الناحية النظرية، كان يمكن لمركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي، وهو هيئة حكومية مكلفة بتقييم النماذج الرائدة، أن يؤدي دور جهة مستقلة للفصل في مثل هذه الخلافات. إلا أن الإدارة الأمريكية وجهت إليه الأوامر بالتوقف عن نشر تقاريره العلنية، مما زاد من غموض وافتقار سياسات الحوكمة الأمريكية في هذا المجال إلى الشفافية.
في أوروبا، أثار القرار ردود فعل قوية. ففي فرنسا، وصف جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني، الذكاء الاصطناعي بأنه “قضية سيادة وطنية كبرى”. ودعا رئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب أوروبا إلى “الاستيقاظ” وإعطاء الأولوية للحلول التكنولوجية الأوروبية. كما شبه رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابرييل أتال شركة “أنثروبيك” بـ”مضيق هرمز” الأمريكي، في إشارة إلى موقعها الحيوي وتأثيرها في تدفقات التكنولوجيا العالمية، مؤكداً أن “حرب الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل”.
تصف إيكونوميست الخطوة بأنها “نقطة تحول جيوسياسية”، مشيرة إلى أن واشنطن تتمتع حالياً بتفوق واضح في مجال الذكاء الاصطناعي. وتعتبر المجلة أن هذا التفوق قد يصبح غير قابل للمنافسة إذا نجحت أنثروبيك أو مختبرات أمريكية أخرى في تحقيق “التحسين الذاتي المتكرر” (آر إس آي)، أي قدرة النماذج على تطوير نسخ أفضل من نفسها. وتشبه المجلة البريطانية ما يجري بالتكنولوجيا النووية، وهو تشبيه يجد صدى في فرنسا أيضاً، حيث يرى المرشح الرئاسي برونو روتايو أنه ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما تعاملت البلاد مع الطاقة النووية.
يُنظر إلى قرار البيت الأبيض في أوروبا باعتباره تجسيداً للمخاوف من أن تقطع الولايات المتحدة الوصول إلى الخدمات الرقمية الكبرى، مستخدمة عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كأدوات ضغط ونفوذ جيوسياسي.
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
