سماء الوطن/متابعات 

دخلت التجارة الإلكترونية الصينية مرحلة جديدة بعد عام من حرب أسعار مكلفة بين «ميتوان» و«علي بابا» و«جيه دي دوت كوم»؛ إذ لم تعد المنافسة تتركز على كوبونات توصيل الطعام والخصومات المجانية، بل انتقلت إلى سباق أوسع للاستحواذ على مشتريات المستهلك اليومية، من البقالة ومستحضرات التجميل إلى الإلكترونيات والأدوية، وتسليمها في غضون ساعة.

وتراهن الشركات الصينية على أن مليارات الدولارات التي أنفقتها خلال حرب الدعم لم تذهب بالكامل هدراً، بعدما أسهمت في تغيير توقعات المستهلكين، خصوصاً في المدن الكبرى. فقد أصبح عامل السرعة جزءاً أساسياً من قرار الشراء؛ ما فتح الباب أمام ما يعرف بـ«التجزئة الفورية» لتصبح ساحة المنافسة الجديدة في أكبر سوق للتجارة الإلكترونية في العالم.

وقال شاوهوي تشين، المدير المالي لشركة «ميتوان»، إن التجارة السريعة أعادت بصورة جوهرية تشكيل توقعات المستهلكين بشأن الراحة والموثوقية، واصفاً التحول بأنه «لا رجعة فيه» في أنماط الحياة.

وتقدر دراسة لوزارة التجارة الصينية أن تصل قيمة سوق التجزئة الفورية إلى 1.2 تريليون يوان، أي نحو 178 مليار دولار، بنهاية العام، على أن تنمو بمعدل سنوي متوسط يبلغ 12.6 في المائة حتى 2030.

ولا تكمن الفرصة الأكبر بالنسبة إلى المنصات في توصيل الوجبات والمشروبات، حيث الهوامش محدودة والمنافسة شديدة، بل في استغلال الزيارات المتكررة للتطبيقات لدفع المستخدمين نحو شراء سلع غير غذائية ذات قيمة وهوامش ربح أعلى.

تغير العادات

وتظهر تجربة المستهلكين كيف تغيرت العادات بالفعل. فقد طلبت جيانغ يانشين، وهي من سكان بكين، دمية أثناء توجهها للقاء أصدقائها لتناول الغداء، ليصل مندوب التوصيل إلى المطعم بالمنتج بحلول وصولها. وقالت إنها اعتادت التسوق بهذه الطريقة: بمجرد التفكير في منتج، تطلبه وتتوقع الحصول عليه فوراً.

ويرى إد ساندر، المحلل في «تقرير تجارة التجزئة الرقمية في الصين»، أن المستهلكين في المدن الكبرى أصبحوا معتادين بالفعل على خدمات التجزئة الفورية؛ وهو ما يفسر شدة المنافسة بين المنصات، لأن انتشار النموذج الجديد قد يأتي على حساب قنوات التجزئة التقليدية.

لكن بناء هذه العادة جاء بتكلفة باهظة، فقد أنفقت «ميتوان» و«علي بابا» و«جيه دي دوت كوم» مليارات الدولارات على القسائم والتوصيل المجاني والحوافز المقدمة للتجار، في سباق استنزف الأرباح وأثار قلق الجهات التنظيمية.

واستدعت هيئة تنظيم السوق الشركات الكبرى مرات عدّة خلال العام الماضي بسبب ممارساتها التنافسية، وطالبت بتوفير حماية أفضل للمستهلكين والتجار وعمال التوصيل. وفي أبريل (نيسان)، فرضت السلطات غرامات إجمالية قدرها 3.6 مليار يوان على شركات بسبب مخالفات لمعايير السلامة في توصيل الوجبات.

تدخل صارم

وقال محلل صناعة الأغذية تشو دانبنغ إن المنافسة الحادة انتهت بعد التدخل الحكومي الصارم، موضحاً أن المستهلكين استفادوا من حرب الأسعار، لكن أصحاب المطاعم الصغيرة تحملوا جانباً من أضرارها.

ولم تكن المنصات بمنأى عن التكلفة، فقد تحولت «ميتوان» إلى الخسارة خلال العام الماضي، وتراجعت ربحية «علي بابا»، في حين كادت أرباح «جيه دي دوت كوم» تتلاشى. كما ظهرت تشوهات لدى التجار المستفيدين من الدعم؛ إذ سجلت «لوكين كوفي» انخفاضاً بنسبة 5.3 في المائة في مبيعات المتاجر القائمة خلال الربع الثاني، مقارنة بزيادة 13.8 في المائة قبل عام، وسط تأثير قاعدة المقارنة المرتفعة التي خلقتها إعانات منصات توصيل الطعام.

ورغم انتهاء المرحلة الأكثر شراسة من حرب الأسعار، فقد أعادت المنافسة توزيع الحصص السوقية. وأظهرت بيانات «أناليسيس» أن «تاوباو إنستانت كوميرس» التابعة لـ«علي بابا» استحوذت على 45.7 في المائة من سوق التجزئة الفورية خلال الربع الثاني، متقدمة بفارق طفيف على «ميتوان» التي بلغت حصتها 45.3 في المائة، في حين استحوذت «جيه دي دوت كوم» على 7.7 في المائة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن «ميتوان» كانت تهيمن قبل حرب الأسعار الأخيرة على ما بين 75 و80 في المائة من سوق توصيل الوجبات، وفق تقديرات سابقة لـ«غولدمان ساكس». لكن المنافسة أصبحت الآن أوسع من الطعام، ما يمنح «علي بابا» و«جيه دي دوت كوم» فرصة أكبر للاستفادة من خبرتهما في تجارة السلع.

أرباح مستدامة

ويبقى السؤال ما إذا كانت المنصات قادرة على الاحتفاظ بالمستخدمين بعد تقليص الخصومات، وهنا تبدأ المرحلة الثانية من المنافسة في تحويل النمو في عدد المستخدمين أرباحاً مستدامة.

وتشير نتائج الشركات إلى أن هذا التحول بدأ بالفعل. فقد قفزت إيرادات التجزئة الفورية لدى «علي بابا» 45 في المائة على أساس سنوي إلى 53.3 مليار يوان. كما أعلنت «جيه دي دوت كوم» تقلص خسائر القطاع بصورة ملحوظة، في حين عادت «ميتوان» إلى تحقيق أرباح إجمالية للمرة الأولى في نحو عام مع انخفاض الإنفاق على الدعم.



مصدر


اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة