الأسواق المالية العالمية تواجه تحديات ثلاثية تتمثل في ارتفاع أسعار النفط، وزيادة عوائد السندات، ومخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي، مما يثير شبح الركود وانهيار الأسواق.
سماء الوطن: بعد فترة من التفاؤل في الأسواق المالية العالمية، مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي وصعود الأسهم الأمريكية، بدأت إشارات التحذير تظهر مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط وزيادة عوائد السندات الحكومية، مما يثير مخاوف من تزامن هذه الضغوط مع تباطؤ سباق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ووفقًا لتحليل لصحيفة “الغارديان” البريطانية، ارتفعت تكلفة الاقتراض الحكومي الأمريكي الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، مما يفرض تداعيات على الأسر والشركات والحكومات حول العالم. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي التوترات إلى ارتفاع التضخم، خاصة مع تجاوز سعر النفط العالمي 100 دولار للبرميل، مما عرض سوق السندات لضغوط بيع قوية ويثير تساؤلات حول إمكانية انتقال موجة الاضطراب إلى الأسهم. ويقل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 3% عن أعلى مستوى تاريخي، بينما تتجاوز القيمة السوقية لأسهم شركات التكنولوجيا السبع الكبرى 20 تريليون دولار، وتشمل إنفيديا وأبل وغوغل ومايكروسوفت وميتا وأمازون وتسلا.
**صدمة الفائدة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي**
وصف كبير المحللين في بنك «سوسيتيه جنرال»، ألبرت إدواردز، المرحلة الحالية بأنها شديدة التوتر، محذرًا من أن صدمة أسعار النفط قد تنتقل إلى الاقتصاد العالمي وتدفع البنوك المركزية إلى رفع الفائدة بصورة حادة، مما قد يؤدي إلى الركود. وقد رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة هذا الأسبوع للمرة الأولى منذ عام 2023، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والوقود إلى ترسيخ التضخم. وتشير الأسواق إلى احتمال رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة أربع مرات قبل نهاية العام المقبل، بينما رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة الأسبوع الماضي، ورفع بنك اليابان سعر سياسته إلى أعلى مستوى له في 31 عامًا. ويؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة تكلفة الاقتراض والضغط على النشاط الاقتصادي، وقد يرفع البطالة ويزيد الضغوط على الحكومات المثقلة بالديون. ووفق حسابات جيم ريد من «دويتشه بنك»، يتبع الركود الأمريكي تاريخيًا أول رفع للفائدة بنحو 3 إلى 3.5 سنوات في المتوسط.
**تقييمات الذكاء الاصطناعي ومخاوف الفقاعة**
القلق الأكبر لدى المستثمرين يتمثل في احتمال أن يتحول الذكاء الاصطناعي، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم محركات النمو، إلى مصدر لفقاعة في الأسهم الأمريكية. وقد ارتفع مؤشر السعر إلى الأرباح المعدل دوريًا «CAPE» إلى نحو 41 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2000، وأكثر من ضعف متوسطه طويل الأجل، ويقترب من مستوى 44.19 نقطة المسجل في ديسمبر/كانون الأول 1999 قبل انهيار شركات الإنترنت. وتقدر «فاثوم كونسلتنج» أن طفرة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى زيادة مبيعات الشركات المرتبطة بالقطاع بما يتراوح بين 600 و800 مليار دولار خلال عامين حتى تتحول الاستثمارات الضخمة إلى أرباح، وتمنح المؤسسة احتمالًا قدره 30% لانفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي العام المقبل. ونقل تحليل “الغارديان” عن الاقتصادي برايان ديفيدسون أن اقتصاديات الإنفاق الرأسمالي الحالي على الذكاء الاصطناعي لا تبدو قابلة للاستمرار، رغم احتمال أن تؤدي التطورات التقنية إلى مكاسب ضخمة في الإنتاجية.
**شبح عام 2000 وعوائد السندات**
تشبه المخاوف الحالية ما حدث خلال انهيار شركات الإنترنت عام 2000، عندما انهارت قيمة شركات اعتُبرت آنذاك مستقبل الاقتصاد الرقمي. وأشار أدريان كوكس من فريق أبحاث «دويتشه بنك» إلى أن الطلب استغرق أكثر من عقد للحاق بالبنية التحتية التي أُنشئت خلال طفرات سابقة، ولم يسترد كثير من المستثمرين أموالهم. وتظهر أوجه شبه أخرى مع انهيار 1929، إذ اشترى مستثمرون أمريكيون صغار الأسهم بالهامش. وفي كوريا الجنوبية، لجأ متداولون إلى الاقتراض لشراء أسهم شركات الرقائق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما ضاعف قيمة مؤشر «كوسبي» للأسهم الكبرى. ومع تراجع السوق، تعرض المستثمرون لموجة من طلبات تغطية الهامش، واضطر كثيرون إلى البيع. وقدرت «غولدمان ساكس» عدد المستثمرين الأفراد الكوريين هؤلاء بنحو 1.2 مليون شخص.
وتواجه أسواق الائتمان ضغوطًا إضافية، فقد ارتفعت عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات فوق مستوى 5%. ويرى كبير المستشارين الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، جون هيغينز، أن ارتفاع العوائد يهدد استدامة المالية العامة الأمريكية ويضغط على الأسهم. فيما يرى سايمون وايت من «بلومبيرغ» أن الخطر يصبح أكثر حدة عند تجاوز العائد 5.25%، وهي نقطة انعطاف تاريخية تتزامن عندها خسائر الأسهم والسندات وتتفاقم. ومع ذلك، لا تزال هناك عوامل قد تمنع انهيارًا واسعًا، بينها احتمال المبالغة في تقدير تأثير التوترات على التضخم. وترى «أوكسفورد إيكونوميكس» أن الصدمات الجيوسياسية قد يكون تأثيرها الاقتصادي مبالغًا فيه، وأن توقعات الأسواق بشأن مزيد من تشديد السياسة النقدية ربما تكون مرتفعة. كما تظهر مؤشرات على مساهمة الذكاء الاصطناعي في نمو الإنتاجية الأمريكية، حيث نما الاقتصاد البريطاني بأسرع وتيرة بين اقتصادات مجموعة السبع خلال النصف الأول من العام.
المصدر: الغارديان البريطانية
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.