شركات التكنولوجيا الكبرى، بقيادة أمازون، تتجه نحو الاقتراض بمليارات الدولارات لتمويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية، وسط تساؤلات حول العوائد المستقبلية لهذه الاستراتيجية.
سماء الوطن: تشهد كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية موجة غير مسبوقة من الاقتراض لتمويل سباق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، في استراتيجية تُعرف بـ “الاستثمار بالديون”.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “ذي شوسن” الكورية، أعلنت شركة أمازون قبل أيام عن إصدار سندات شركات بقيمة 25 مليار دولار. وتتضمن هذه الإصدارات سندات طويلة الأجل تصل فترة استحقاقها إلى 40 عامًا، بعائد يبلغ نحو 6%، وهو أعلى بنحو 1.45 نقطة مئوية من عائد سندات الخزانة الأمريكية. وأوضحت أمازون أن حصيلة الإصدار ستُستخدم في أغراض تشغيلية تشمل سداد الديون، وعمليات الاندماج والاستحواذ، والإنفاق الرأسمالي. ومع ذلك، يرى مراقبون في القطاع أن الجزء الأكبر من هذه الأموال سيوجه إلى تمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقاته.
لا تقتصر هذه الاستراتيجية على أمازون وحدها، فشركات أمريكية كبرى مثل غوغل وميتا وأوراكل وإنفيديا وسبيس إكس تواصل جمع عشرات المليارات من الدولارات عبر أسواق السندات. تهدف هذه الأموال إلى تمويل استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، وأشباه الموصلات، ومرافق الطاقة المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتتزايد وتيرة هذه الإصدارات وأحجامها بصورة ملحوظة، وسط انقسام بين من يرى أن الطلب المتنامي على الذكاء الاصطناعي يبرر هذا التوسع، ومن يحذر من الارتفاع السريع في مستويات ديون الشركات.
وقد تبنت أمازون هذه الاستراتيجية بصورة متسارعة منذ العام الماضي، حيث أصدرت في نوفمبر سندات بقيمة تقارب 12 مليار دولار، ثم طرحت في مارس سندات مقومة بالدولار بقيمة 37 مليار دولار، بالإضافة إلى سندات مقومة باليورو بقيمة 14.5 مليار يورو. كما أصدرت خلال الشهر الماضي سندات مقومة بالدولار الكندي بقيمة 14 مليار دولار كندي، ليتجاوز إجمالي قيمة إصداراتها من السندات 100 مليار دولار. وخلال الشهر الماضي أيضًا، أصدرت كل من إنفيديا وسبيس إكس سندات بقيمة 25 مليار دولار لكل منهما، بينما طرحت ميتا في مايو سندات بالقيمة نفسها. أما غوغل فقد جمعت 20 مليار دولار من خلال إصدار سندات هذا العام لتمويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
وذكرت وكالة “بلومبيرغ” أن إجمالي إصدارات سندات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالميًا مرشح للوصول إلى 335 مليار دولار خلال العام الجاري، وهو أكثر من ضعف مستوى العام الماضي. ويُعد الارتفاع الكبير في الإنفاق الرأسمالي أحد أبرز دوافع هذا التوسع في الاقتراض. فمن المتوقع أن يبلغ الإنفاق الرأسمالي لشركة أمازون خلال العام الحالي نحو 200 مليار دولار، أي ضعف مستواه في العام الماضي. كما يُنتظر أن يصل إنفاق مايكروسوفت إلى نحو 190 مليار دولار، وغوغل إلى 190 مليار دولار، وميتا إلى 145 مليار دولار، ليتجاوز إجمالي الإنفاق الرأسمالي للشركات الأربع 700 مليار دولار.
ويرى محللون أن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات يذهب إلى إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها. ويقارن خبراء هذه الموجة الاستثمارية بفترات سابقة شهدت استثمارات ضخمة في شبكات الاتصالات خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم في البنية التحتية للحوسبة السحابية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، مؤكدين أن بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يتطلب تمويلًا هائلًا، ما يدفع حتى الشركات الكبرى إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الاقتراض.
ورغم التفاؤل، لا تزال المخاوف قائمة بشأن قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق عوائد كافية مستقبلًا، إذ يشبه بعض المحللين الوضع الحالي بفقاعة شركات الإنترنت في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة. وأشار تقرير صادر عن مورغان ستانلي هذا العام إلى أن حجم الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يصل إلى نحو 3 تريليونات دولار بحلول عام 2028، لكنه طرح تساؤلًا رئيسيًا حول الشركات التي ستنجح في تحقيق عوائد من هذه الاستثمارات، وتلك التي قد تعجز عن استرداد أموالها. في المقابل، يرى آخرون أن هذه الاستثمارات لا يمكن اعتبارها مجرد موجة مبالغ فيها، في ظل استمرار النمو القوي في الطلب على مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية. وأفادت وكالة “رويترز” بأن إصدار أمازون الأخير البالغ قيمته 25 مليار دولار استقطب طلبات اكتتاب وصلت إلى 62 مليار دولار، في مؤشر على ثقة المستثمرين بقدرة الشركة على الاستفادة من استثماراتها المستقبلية. كما نجحت غوغل مؤخرًا في إصدار سندات فائقة الطول لمدة 100 عام، تُعرف باسم سندات القرن، على أن يُسدد أصل السند في عام 2126، وهو ما يعكس قناعة المستثمرين باستمرار قوة منظومة ألفابت لعقود طويلة. وفي السياق نفسه، أوضح غولدمان ساكس أن الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي يمثل حاليًا نحو 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وهو أقل من مستويات الذروة التي بلغت نحو 1.5% خلال موجات الاستثمار التاريخية في البنية التحتية، مثل السكك الحديدية وشبكات الاتصالات.
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
