تشهد إيطاليا تحولاً ملحوظاً نحو إحياء الطاقة النووية، بدعم غير متوقع من نشطاء بيئيين وحكومة جورجيا ميلوني. يأتي هذا التحول في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والحاجة إلى حلول مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، مع إقرار مجلس النواب مشروع قانون يدعم المفاعلات النووية الصغيرة. ورغم الجدل المستمر مع مؤيدي الطاقة المتجددة، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى تزايد القبول الشعبي للطاقة النووية في إيطاليا.
سماء الوطن: تشهد إيطاليا تحولاً لافتاً في الرأي العام والتوجهات الحكومية نحو إحياء مشروعات الطاقة النووية، مدفوعة بزخم غير متوقع من النشطاء البيئيين أنفسهم. هذا التوجه يعزز رهان حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني على الطاقة النووية كحل استراتيجي لتوفير كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والاعتماد الكبير على واردات الغاز.
كشف تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن هذا التحول، مستعرضاً قصة الناشطة مونيكا توماسي، رئيسة منظمة “أصدقاء الأرض” في إيطاليا. توماسي، المهندسة المتخصصة في النقل، قادت حملة ضد مشروع لشركة RWE الألمانية لإقامة سبع توربينات رياح بارتفاع 200 متر بالقرب من مدينة أورفييتو التاريخية، معتبرة أن المشروع سيشوه المناظر الطبيعية الخلابة مقابل إنتاج كهربائي محدود. المفارقة تكمن في أن توماسي، التي كانت تؤمن بالطاقة المتجددة، أصبحت اليوم من أبرز المؤيدين لعودة الطاقة النووية، مؤكدة أن التطورات التقنية جعلت المفاعلات الحديثة أكثر أماناً وكفاءة.
تعكس هذه الرؤية تحولاً في مواقف بعض المدافعين عن البيئة، الذين كانوا يعارضون الطاقة النووية بشدة في الماضي. يرون اليوم أن تأثير الطاقة النووية على المناظر الطبيعية والزراعة أقل بكثير من التوسع الواسع في مشروعات الطاقة المتجددة. ويؤكد الناشط فرانشيسكو براتيسي أن المفاعل النووي يمكنه إنتاج نفس كمية الكهرباء التي تحتاجها مساحات شاسعة من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، مع إشغال مساحة محدودة.
تتزامن هذه التحولات مع جهود حكومية حثيثة. فمع ارتفاع أسعار الكهرباء للأسر والشركات بنحو 30% فوق المتوسط الأوروبي، تراهن حكومة ميلوني على إحياء البرنامج النووي. في يونيو الماضي، أقر مجلس النواب الإيطالي مشروع قانون يضع الإطار التشريعي لعودة إنتاج الكهرباء من خلال المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs). ومن المتوقع أن يصادق مجلس الشيوخ على القانون، مما يسمح للحكومة بإعداد اللوائح المنظمة وإنشاء هيئة رقابية للطاقة النووية، ووضع قواعد للتعامل مع النفايات النووية قبل منح التراخيص للمشروعات الجديدة.
يؤكد ستيفانو بونو، الرئيس التنفيذي لشركة Newcleo الناشئة، اهتمام عدد من الشركات الصناعية الإيطالية بالحصول على مفاعلات صغيرة لتوفير احتياجاتها من الكهرباء، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وقد جمعت الشركة 780 مليون دولار لتطوير مفاعلات تعتمد على الوقود النووي المعاد تدويره.
رغم هذا الزخم، لم تتخل الجماعات البيئية وشركات الطاقة المتجددة عن سعيها لتشجيع مشروعات الطاقة المتجددة، وتتخوف من أن التركيز على الطاقة النووية يصرف الانتباه عن الحلول الأسرع لمواجهة تغير المناخ. وتشير إلى أن الطاقة الشمسية أصبحت الأرخص تكلفة لإنتاج الكهرباء، بينما لا تزال معظم تصاميم المفاعلات الصغيرة غير مثبتة تجارياً. كما تضغط رابطة الصناعات الإيطالية “كونفيندوستريا” لتسريع الموافقات على مشروعات الطاقة المتجددة، معتبرة أن القطاع الصناعي لا يستطيع انتظار عقد كامل لدخول المفاعلات الجديدة الخدمة.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن الجغرافيا الإيطالية تحد من إمكانات التوسع الكبير في مشروعات الرياح والطاقة الشمسية. فبحسب وزير البيئة وأمن الطاقة جيلبرتو بيكيتو فراتين، فإن ثلثي مساحة البلاد عبارة عن تلال وجبال وأراضٍ زراعية وسياحية ذات قيمة عالمية، مما يجعل تغطيتها بالألواح الشمسية أو توربينات الرياح خياراً غير مقبول.
تحمل العلاقة بين إيطاليا والطاقة النووية تاريخاً معقداً. فبعد أن كانت من أوائل الدول الأوروبية التي تبنت الطاقة النووية في الستينيات، أدى حادث تشيرنوبيل عام 1986 إلى استفتاء شعبي أسفر عن إغلاق جميع المفاعلات بحلول عام 1990. كما فشلت محاولة رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني لإحياء القطاع بعد رفض الإيطاليين في استفتاء عام 2011 عقب كارثة فوكوشيما. إلا أن المزاج الشعبي يبدو أكثر تقبلاً اليوم، حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز YouTrend في يونيو أن 57% من الإيطاليين يؤيدون عودة الطاقة النووية، مقابل 31% يعارضونها.
المصدر: ياسمين السيد هاني
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
