يكشف الخبر عن التحديات البيئية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، حيث تزيد النماذج الذكية العملاقة من استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية لشركات التقنية الكبرى مثل غوغل وأمازون، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة رغم جهود الطاقة المتجددة.

سماء الوطن:

لطالما ارتبطت ثورة الذكاء الاصطناعي بتحسين حياة البشر ورفع كفاءة الأعمال ومواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ. لكن خلف هذا التطور التقني المتسارع، يظهر تحدٍ بيئي متزايد يتمثل في ارتفاع استهلاك الطاقة وزيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل النماذج الذكية العملاقة.

مع توسع شركات التكنولوجيا الكبرى في تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت مراكز البيانات والشرائح الإلكترونية جزءًا رئيسًا من معادلة الانبعاثات العالمية. وقد كشفت تقارير الاستدامة الحديثة لشركتي غوغل وأمازون عن زيادة ملحوظة في انبعاثاتهما الكربونية، بالتزامن مع توسع استثماراتهما في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

وفقًا لتقرير الاستدامة الصادر عن غوغل لعام 2024، ارتفعت انبعاثات الشركة الإجمالية بنسبة 13% تقريبًا خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى نحو 14.3 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وأرجعت الشركة جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة إلى ارتفاع استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، إضافة إلى الانبعاثات المرتبطة بسلسلة التوريد.

أما أمازون، فقد أعلنت في تقرير الاستدامة لعام 2023 أن إجمالي انبعاثاتها بلغ نحو 68.8 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع زيادة مرتبطة بشكل أساسي بتوسع عملياتها اللوجستية والبنية التحتية للحوسبة السحابية عبر ذراعها أمازون ويب سيرفيسيز (Amazon Web Services).

تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، مثل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM)، على آلاف وحدات المعالجة الرسومية (GPUs) التي تعمل لفترات طويلة خلال مراحل التدريب والتشغيل. هذه العمليات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء، كما تتطلب أنظمة تبريد متقدمة لمنع ارتفاع حرارة المعدات.

تشير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن مراكز البيانات استهلكت نحو 460 تيراواطًا/ساعة من الكهرباء عالميًا في عام 2022، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم مع استمرار نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية خلال السنوات المقبلة. ولا يقتصر التأثير البيئي لمراكز البيانات على الكهرباء فقط، إذ تعتمد العديد منها على كميات كبيرة من المياه لأنظمة التبريد، وهو ما يثير مخاوف إضافية في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية.

رغم أن شركات التقنية تستثمر مليارات الدولارات في الطاقة المتجددة، فإن الجزء الأكبر من بصمتها الكربونية يأتي مما يُعرف بانبعاثات النطاق الثالث (Scope 3)، وهي الانبعاثات الناتجة عن أنشطة لا تسيطر عليها الشركة مباشرة. تشمل هذه الانبعاثات تصنيع الخوادم، وإنتاج الشرائح الإلكترونية، وبناء مراكز البيانات، ونقل المعدات، واستخدام المنتجات من قبل العملاء.

في حالة شركات الذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة الرقائق عنصرًا أساسيًا في ارتفاع الانبعاثات، فإنتاج وحدات المعالجة الرسومية المتقدمة يحتاج إلى عمليات تصنيع معقدة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، إضافة إلى استخدام مواد كيميائية ذات تأثير قوي على الاحتباس الحراري. ووفق جمعية صناعة أشباه الموصلات (Semiconductor Industry Association)، تُعد صناعة أشباه الموصلات من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث تحتاج المصانع المتقدمة إلى تشغيل مستمر وأنظمة بيئية دقيقة للحفاظ على جودة الإنتاج.

رغم تعهد شركات التكنولوجيا بالاعتماد على الطاقة النظيفة، فإن الزيادة السريعة في الطلب على الكهرباء دفعت بعض الشركات إلى إعادة النظر في استخدام مصادر طاقة تقليدية لضمان استقرار الشبكات. وتشير التقارير التقنية إلى أن شركات كبرى بدأت تبحث عن حلول مثل الطاقة النووية أو محطات الغاز الطبيعي لتوفير طاقة مستقرة لمراكز البيانات، خصوصًا مع ارتفاع احتياجات الذكاء الاصطناعي. هذا التوجه يخلق تحديًا أمام أهداف الحياد الكربوني، لأن توفير طاقة كافية لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يتعارض مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

رغم التحديات، يرى خبراء التقنية والطاقة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أكثر كفاءة بيئيًا عبر مجموعة من الحلول. وتؤكد شركات مثل غوغل أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مجالات بيئية عديدة، مثل تحسين توقعات الطقس، وإدارة شبكات الكهرباء، وتقليل استهلاك الطاقة في المباني.

يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أكبر التحولات التقنية في التاريخ الحديث، لكنه يأتي مع تكلفة بيئية متزايدة. فبينما تساعد هذه التقنية في تطوير حلول لمشكلات المناخ، فإن البنية التحتية اللازمة لتشغيلها ترفع الطلب على الطاقة وتزيد الانبعاثات. التحدي الحقيقي أمام شركات التكنولوجيا الكبرى لن يكون فقط تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر ذكاء، بل بناء نظام تقني قادر على النمو دون زيادة الضغط على البيئة، فالنجاح في عصر الذكاء الاصطناعي لن يُقاس فقط بقدرات الآلات، بل أيضًا بقدرة الصناعة على تحقيق توازن بين الابتكار والاستدامة.



مصدر


اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة