تواجه أوروبا تحديًا اقتصاديًا جديدًا يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، مما يهدد قدرتها التنافسية ويؤثر سلبًا على الصناعة الأوروبية. فقدان مليون وظيفة صناعية بين 2019 و2023 يعكس حجم الأزمة. التقرير يشير إلى أن الدول التي تعتمد على مزيج متنوع من الطاقة المتجددة ومصادر منخفضة الكربون أكثر صمودًا. ومع تزايد الطلب على الكهرباء من قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، تصبح معركة الطاقة حاسمة للمستقبل الاقتصادي والجيوسياسي لأوروبا.
سماء الوطن: تواجه أوروبا معركة اقتصادية واستراتيجية جديدة في قطاع الطاقة، فبعد نجاح القارة في تقليل اعتمادها على إمدادات الطاقة الروسية منذ أزمة عام 2022، يبرز تحدٍ آخر قد يكون أكثر خطورة على المدى الطويل.
يتمثل هذا التحدي في استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، مما يضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية ويهدد النمو الاقتصادي المستقبلي. ووفقًا لتقرير نشره موقع “مودرن دبلوماسي”، فقد أعادت التطورات الدولية إلى الواجهة هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية أمام اضطرابات أسواق الوقود التقليدي العالمية، على الرغم من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال وتخزين الغاز وتنويع مصادر الواردات.
**أسعار الطاقة تثقل كاهل الصناعة الأوروبية**
تسببت التكاليف المرتفعة بالفعل في تداعيات اقتصادية ملموسة، حيث فقدت أوروبا أكثر من مليون وظيفة صناعية بين عامي 2019 و2023، نتيجة للتضخم واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد المنافسة الصينية وارتفاع تكاليف الطاقة. وفي ألمانيا، القوة الصناعية الأكبر في أوروبا، فُقدت 143 ألف وظيفة في قطاع التصنيع خلال عام 2025 وحده، وفقًا للتقرير. أصبحت أسعار الكهرباء المرتفعة عاملًا يضعف قدرة المصنعين الأوروبيين على المنافسة أمام الشركات في مناطق أخرى تتمتع بتكاليف طاقة أقل بكثير، مما يزيد المخاوف من تسارع ظاهرة تراجع التصنيع في القارة.
على الرغم من انخفاض أسعار الغاز والكهرباء الأوروبية بشكل كبير عن مستويات الذروة في عام 2022، إلا أنها ظلت بنهاية عام 2025 أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب. فقد كانت أسعار الغاز أعلى بنحو 50% من مستوياتها السابقة للصراع في أوكرانيا، بينما ظلت أسعار الكهرباء أعلى بنحو 38% من متوسطاتها التاريخية.
**الطاقة قضية أمن قومي**
بحسب مؤشر مخاطر أمن الطاقة والمناخ لعام 2026، الذي أعده مركز دراسة الديمقراطية، لا تزال الدول الأكثر اعتمادًا على الوقود التقليدي، مثل بولندا وبلغاريا ورومانيا واليونان، تواجه تكاليف طاقة مرتفعة هيكليًا، مما يضر بقدرتها على المنافسة الصناعية. في المقابل، نجحت دول مثل السويد وفنلندا وفرنسا في بناء أنظمة طاقة أكثر قدرة على الصمود من خلال الجمع بين الطاقة المتجددة ومصادر مستقرة منخفضة الكربون، مثل الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية. تشير هذه التجارب إلى أن مرونة الطاقة الأوروبية ستعتمد بشكل متزايد على مزيج متوازن من مصادر الطاقة المتجددة ومصادر الكهرباء الموثوقة منخفضة الكربون، بدلًا من الاعتماد على تكنولوجيا واحدة.
**توسع الطاقة المتجددة يفرض تحديات جديدة**
زاد الدمج السريع لمصادر الطاقة المتجددة المتقطعة الضغوط على شبكات الكهرباء وقدرات التخزين والبنية التحتية لنقل الطاقة. وأظهر انقطاع الكهرباء الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية العام الماضي أن التوسع في الطاقة المتجددة وحده لا يضمن أمن الطاقة، ما لم يترافق مع استثمارات موازية في تحديث الشبكات وتوفير قدرات توليد احتياطية. في الوقت نفسه، لا تزال مشروعات الطاقة النووية تواجه إجراءات موافقة طويلة، وصعوبات في التمويل، وتباينًا تنظيميًا بين الدول، وقيودًا في سلاسل الإمداد، وهي عوامل تؤخر تنفيذ المشروعات.
**الذكاء الاصطناعي يرفع أهمية معركة الطاقة**
تحتاج القطاعات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وتصنيع أشباه الموصلات المتقدمة ومراكز البيانات إلى كهرباء موثوقة ومنخفضة التكلفة ومنخفضة الكربون للحفاظ على قدرتها على المنافسة عالميًا. وفي الوقت ذاته، لا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على التصنيع الصيني في البطاريات وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية وتقنيات شبكات الكهرباء، مما يعني أن عدم تنويع سلاسل الإمداد قد يدفع القارة إلى استبدال تبعية استراتيجية بأخرى. وبالتالي، أصبح توفير كميات كافية من الكهرباء مرتبطًا بشكل وثيق بطموحات أوروبا في تحقيق الريادة التكنولوجية والسيادة الاقتصادية.
**سباق اقتصادي وجيوسياسي**
لم تعد عملية تحول الطاقة الأوروبية مدفوعة بأهداف المناخ وحدها، بل تحولت إلى منافسة استراتيجية حول القدرة الصناعية والمرونة الاقتصادية والريادة التكنولوجية. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذه المعركة؛ فالدول القادرة على توفير كهرباء وفيرة ومنخفضة التكلفة ستكون في وضع أفضل لجذب الصناعات المتقدمة، بينما قد تخسر الدول التي تعاني من ارتفاع أسعار الكهرباء أو عدم موثوقية الإمدادات الاستثمارات والابتكار والنفوذ الاستراتيجي.
المصدر: ياسمين السيد هاني
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
