تتنافس أوروبا وآسيا على شحنات الغاز المسال مع ارتفاع الأسعار وتراجع المخزونات الأوروبية، مما ينذر بشتاء مكلف. دول آسيوية مستعدة لدفع المزيد، بينما تواجه أوروبا خيارات محدودة لخفض الطلب. المفوضية الأوروبية تدعو لترشيد الاستهلاك وسط مخاوف من نقص الغاز.
سماء الوطن: تستعد أسواق الغاز العالمية لمنافسة حادة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، في ظل ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية وتراجع المخزونات الأوروبية، مما ينذر بشتاء مكلف وتحديات اقتصادية.
تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي المسال بأكثر من مرتين منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اقترب مؤشر «بلاتس JKM» الآسيوي من 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في منتصف سبتمبر/أيلول، قبل أن يتداول عند 25.29 دولار. وبلغ سعر شحنات الغاز المسال المتجهة إلى أوروبا 24.62 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفق بيانات «سبارك كوموديتيز».
ورغم أن الأسعار الحالية لا تزال أقل من المستويات القياسية التي سجلتها الأسواق بعد اندلاع حرب أوكرانيا في 2022، إلا أن المنافسة مرشحة للتصاعد خلال الأشهر المقبلة. وتستعد دول آسيوية نامية، كانت قد خرجت من السوق خلال أزمة 2022 بسبب ارتفاع الأسعار، لدفع مبالغ أكبر لتجنب نقص الإمدادات وتداعياته الاقتصادية.
**أدنى مخزونات أوروبية**
تستهدف دول الاتحاد الأوروبي وصول مخزونات الغاز إلى 90% بحلول بداية نوفمبر/تشرين الثاني، لكن الاتحاد منح في مارس/آذار قدرًا من المرونة، يسمح للدول باستهداف مستوى 80% هذا العام، بهدف تجنب عمليات شراء مذعورة والحد من ارتفاع التكاليف. وتدخل أوروبا الشتاء بأدنى مخزونات للغاز منذ 15 عامًا على الأقل، حيث تبلغ مستويات التخزين الأوروبية حاليًا 68% من الطاقة الاستيعابية، مقارنة بـ71% في الفترة نفسها من عام 2021.
وأشار الرئيس التنفيذي لشركة «إنبكس» اليابانية، تاكايـوكي أويدا، إلى أن استعداد المشترين الآسيويين الحساسين للأسعار لدفع المزيد لتجنب نقص الغاز يمثل تحولًا جوهريًا في سوق الغاز. وأوضح أن الهند وباكستان أصبحتا أكثر اعتيادًا على تقلبات الأسعار، حيث اشترت باكستان وبنغلاديش عدة شحنات عند 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو مستوى لم تكونا مستعدتين لدفعه في 2022.
ولا تملك دول آسيوية نامية مساحة كبيرة لخفض استهلاك الغاز أكثر، بعدما خفضت الطلب بالفعل منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، مما تسبب في انقطاعات كهرباء متكررة. كما لجأت دول، بينها اليابان وكوريا الجنوبية، إلى زيادة استخدام الفحم، لكن شركات الطاقة ترى أن فرص التحول إلى وقود بديل أصبحت محدودة.
**خيارات محدودة وتصاعد المنافسة**
في أوروبا، تراجعت خيارات خفض الطلب أيضًا، فمنذ 2022 خفضت أوروبا استهلاكها من الغاز عبر ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الطاقة وزيادة الاعتماد على مصادر بديلة، لكن معظم التخفيضات السهلة تحققت بالفعل. وهذا يعني أن أسعار الغاز قد تحتاج إلى الارتفاع بدرجة أكبر لإجبار المستهلكين على خفض الطلب المتبقي.
والمخاوف الأساسية هي أن أوروبا لم يعد لديها مجال واسع لخفض استهلاك الغاز، بينما بدأت دول آسيوية مثل الهند وباكستان وبنغلاديش في قبول أسعار مرتفعة لتجنب النقص. وإذا زاد الطلب الآسيوي، خصوصًا من الصين، بالتزامن مع استمرار اضطراب الإمدادات عبر هرمز، فقد تتنافس أوروبا وآسيا على نفس شحنات الغاز المسال، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسعار خلال الشتاء.
وقال محللو «غولدمان ساكس» إن المشترين الصناعيين في الهند يعتبرون 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية حدًا لا يمكن تجاوزه. وفي حال استمرار الحرب في الشرق الأوسط ومنع استئناف شحنات الغاز المنتظمة عبر مضيق هرمز، قد تصل الأسعار إلى 35 دولارًا خلال الشتاء.
وفي مواجهة تقلبات السوق الفورية، تتجه دول آسيوية إلى إبرام عقود طويلة الأجل، مستفيدة من توقعات دخول طاقات إنتاجية جديدة، معظمها في الولايات المتحدة، خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة. كما يسعى منتجو الغاز الأمريكيون إلى توقيع عقود جديدة مع مشترين كانوا يتجاهلونهم سابقًا.
في المقابل، تتردد بعض الشركات الأوروبية في توقيع عقود طويلة الأجل بسبب قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة التي تلزم مستوردي الغاز بقياس انبعاثات الميثان والإبلاغ عنها، وسط ضغوط لتأجيل تطبيق القواعد.
**دعوات لترشيد الاستهلاك**
ومع تصاعد أزمة الإمدادات، دعت المفوضية الأوروبية الدول الأعضاء إلى خفض استهلاك الغاز والكهرباء «لأطول فترة ضرورية» لاحتواء الأسعار. ونقلت صحيفة “بوليتيكو” عن رسالة لمفوض الطاقة والإسكان دان يورغنسن، مؤرخة بيوم 25 سبتمبر/أيلول، أن خفض الطلب يمكن أن يكون أداة فعالة للحد من الأسعار في ظل محدودية الإمدادات العالمية وتقلب الأسعار، مؤكدًا في الوقت نفسه عدم وجود مخاطر فورية على أمن الإمدادات.
ويترقب السوق الآن ظروف الشتاء؛ إذ يرى خبراء أن الشتاء المعتدل قد يسمح بتجاوز الأزمة، بينما قد يؤدي الشتاء الطبيعي إلى نقص كبير في الغاز، أما الشتاء البارد فقد يعيد الأسعار إلى مستويات 2022.
المصدر: فايننشال تايمز، بوليتيكو
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.