يكشف الذكاء الاصطناعي عن اختلافات في الإجابات بين اللغات، لا سيما العربية، بسبب تفاوت بيانات التدريب، طرق تقسيم النصوص، وفهم السياق الثقافي، مما يتطلب اختبارات متعددة اللغات والثقافات لضمان دقة وشمولية النتائج.
سماء الوطن: يثير التفاعل بين نماذج الذكاء الاصطناعي واللغات المختلفة تساؤلات حول دقة المعلومات واختيار المصطلحات وفهم السياق الثقافي، حيث لا تتعامل هذه النماذج مع اللغات بالطريقة نفسها دائمًا، مما قد يؤدي إلى اختلاف الإجابات حتى عند طرح السؤال ذاته بلغات مختلفة. هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة تفضيل لغة على أخرى، بل يرتبط بكيفية تدريب النموذج وتمثيله للغات داخليًا.
تعتمد النماذج اللغوية الكبيرة على كميات هائلة من النصوص في مرحلة التدريب، لكن هذه البيانات ليست موزعة بالتساوي بين اللغات. فاللغة الإنجليزية واللغات ذات الحضور الرقمي القوي تمتلك عادة موارد نصية أكبر، بينما تعاني لغات أخرى من نقص في البيانات عالية الجودة، مما يؤثر على أداء النماذج.
أشارت دراسة منشورة في دورية “ساينتفيك ريبورتس”، اختبرت 3 نماذج عبر 12 لغة، إلى أن أداء النماذج يختلف باختلاف اللغة. وتؤثر عوامل مثل حجم بيانات التدريب ومصدرها، والمسافة اللغوية، وطريقة تقسيم النصوص، على هذا الأداء. والمثير أن الإنجليزية لم تكن دائمًا الأفضل أداءً، بل تفوقت عليها بعض اللغات في مهام محددة. دراسات أخرى أكدت أن إضافة بيانات متعددة اللغات يمكن أن يحسن أداء اللغات ذات الموارد المنخفضة، لكن الفائدة تعتمد على حجم البيانات والتشابه اللغوي.
قبل معالجة السؤال، تُحوَّل الكلمات إلى وحدات أصغر تسمى “الرموز” (Tokens)، وهذه العملية ليست متطابقة في اللغات المختلفة. أبحاث حديثة أظهرت أن اختيار أداة تقسيم النص إلى رموز يؤثر في أداء النموذج وتكلفة تدريبه. استخدام أدوات مصممة بصورة تتمحور حول الإنجليزية قد يؤدي إلى تراجع كبير في الأداء عند التعامل مع لغات أخرى بسبب عدم كفاءة تمثيل النص. كما وجدت دراسة في مؤتمر جمعية اللغويات الحاسوبية لعام 2025 أن طريقة تقسيم النص تتأثر بالتنوع اللغوي، مما يعني أن سؤالين متطابقين في المعنى قد لا يصلان إلى النموذج بصورة متطابقة حسابيًا.
المشكلة لا تقتصر على البيانات والبنية اللغوية، فبعض الأسئلة تحمل سياقًا ثقافيًا حتى لو كانت صياغتها بسيطة. دراسة قدمت في مؤتمر ACL 2025 كشفت عن “التآزر اللغوي الثقافي”، حيث كان أداء النماذج أفضل عندما كان السؤال متوافقًا ثقافيًا مع اللغة المستخدمة. هذا يشير إلى أن تقييم النموذج لا ينبغي أن يفصل اللغة عن سياقها الثقافي. بحث آخر توصل إلى أن النماذج قد تمتلك معرفة ثقافية محلية، لكنها لا تستحضرها دائمًا تلقائيًا عند الإجابة بلغة معينة، وقد يحسن إدخال السياق الثقافي صراحة في السؤال من الطابع المحلي للإجابة. هذا يفسر اختلاف الإجابات لسؤال عن عادة اجتماعية أو مثل شعبي أو نظام قانوني عند تغير اللغة، لأن اللغة نفسها قد توفر للنموذج إشارات ضمنية إلى البلد أو الثقافة المقصودة.
تظهر المشكلة بوضوح أكبر في اللغات واللهجات ذات الموارد الرقمية الأقل. في حالة اللغة العربية، لا يقتصر الأمر على الفصحى، بل يشمل التنوع الكبير في اللهجات والسياقات المحلية. ورقة “مؤشر نضج تقنيات الذكاء الاصطناعي للغة العربية بلسم (BALSAM)” المنشورة ضمن أعمال مؤتمر معالجة اللغة العربية 2025، تشير إلى أن أداء النماذج بالعربية يتأثر بندرة البيانات، والتنوع اللغوي واللهجات، والتعقيد الصرفي، ومحدودية أدوات القياس والاختبارات المتخصصة. كما طورت دراسة أخرى معيار “أراديس (AraDiCE)” لاختبار قدرات النماذج في اللهجات العربية والوعي الثقافي في مناطق الخليج ومصر وبلاد الشام، لمعالجة الفجوة بين العربية الفصحى واللهجات والسياقات الثقافية المختلفة. منظمة اليونسكو بدورها تؤكد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المدربة أساسًا على اللغات المهيمنة قد تكون أقل فعالية في بعض اللغات الأفريقية، مشيرة إلى أن نقص البيانات المحلية لا يؤثر في جودة اللغة فحسب، بل يحد من قدرة الأنظمة على التعامل مع المفاهيم الثقافية المحلية.
اختلاف الإجابة بين لغتين لا يعني بالضرورة وجود تحيز، فقد ينتج عن تفاوت البيانات، أو طريقة تقسيم النص، أو الاختلاف في السياق الثقافي، أو حتى طريقة صياغة السؤال. لكن هذه الفوارق قد تنتج تحيزًا لغويًا فعليًا في المخرجات، خاصة عندما تكون لغة ما ممثلة ببيانات أقل، أو عندما تكون الاختبارات المستخدمة لقياس النموذج مركزة على اللغات الأكثر انتشارًا. لهذا، تتجه أبحاث حديثة إلى اختبار النماذج في لغات وثقافات متعددة، بدل الاكتفاء بقياس أدائها باللغة الإنجليزية، فالقضية لم تعد فقط في فهم النموذج للغة، بل في فهمه للسؤال ضمن السياق الثقافي واللغوي الذي نشأ فيه.
يؤكد الخبراء أن اختلاف الإجابات بين اللغات يكشف أن النموذج لا يستخرج معلومة ثابتة من قاعدة بيانات واحدة، بل يبني إجابته اعتمادًا على تمثيلات لغوية وثقافية تشكلت خلال التدريب. وكلما اختلفت اللغة والسياق والبيانات المتاحة، تغيرت الطريقة التي يمكن أن يصل بها النموذج إلى الإجابة.
المصدر: سماء الوطن
اكتشاف المزيد من مجلة الأسهم السعودية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.